الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
15
مختصر الامثل
واقتراحاتهما من الناحية العقائدية والبرامج الدينية ، وهذه بالضبط نقطة الإعتدال الأصلية التي تجمع فيها حقوق اللَّه والوالدين ، ولذا يضيف بعد ذلك : « وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ » . لأنّ المصير إليه سبحانه : « ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ » . إنّ الآية أعلاه تشبه ما جاء في الآية ( 8 ) من سورة العنكبوت ، حيث تقول : « وَوَصَّيْنَا الْإِنسنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ » . يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 ) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 17 ) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ( 18 ) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 19 ) كانت أولى مواعظ لقمان عن مسألة التوحيد ومحاربة الشرك ، وثانيتها عن حساب الأعمال والمعاد ، والتي تكمّل حلقة المبدأ والمعاد ، فيقول : « يَا بُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السَّموَاتِ أَوْ فِى الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ » . أي في يوم القيامة . ويضعها للحساب : « إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ » . « الخردل » : نبات له حبّات سوداء صغيرة جدّاً يضرب المثل بصغرها ؛ وهذا التعبير إشارة إلى أنّ أعمال الخير والشر مهما كانت صغيرة لا قيمة لها ، ومهما كانت خفية كخردلة في بطن صخرة في أعماق الأرض ، أو في زاوية من السماء ، فإنّ اللَّه اللطيف الخبير المطّلع على كل الموجودات ، صغيرها وكبيرها في جميع أنحاء العالم ، سيحضرها للحساب والعقاب والثواب ، ولا يضيّع شيئاً في هذا الحساب . إنّ الالتفات والتوجه إلى هذا الاطلاع التام من قبل الخالق سبحانه على أعمال الإنسان وعلمه بها ، هو أساس كل الإصلاحات الفردية والاجتماعية ، وهو قوة وطاقة محركة نحو الخيرات ، وسدّ منيع من الشرور والسيئات . وبعد تحكيم أسس المبدأ والمعاد ، والتي هي أساس كل الإعتقادات الدينية ، تطرّق لقمان